الوطن - في كل زيارة لليمن ينتابك شعور غريب بأن المناظر والتي سبق وان شاهدتها من قبل، هي مناظر جديدة عليك، كأنك تشاهدها للمرة الأولى، فالقرى المعلقة على أطراف الجبال والمدرجات الزراعية تبدو للمشاهد وكأنها لوحات فنية تشكيلية، أو كمتحف أثري مفتوح للجميع، وتعيد للناظر قرونا للوراء كأنها ما برحت ليلة واحدة، فاليمن لا يزال في الذاكرة كما هو في العين المجردة.
ومع كل زيارة أحاول أن استرجع التاريخ قليلا و أعود من جديد لتلك الحضارات القديمة والممالك العظيمة مثل سبأ وحمير وحضرموت، وكثيرا ماتشدني تلك الشواهد من البنيان الشاهقة والقلاع الحصينة التي يتساءل المرء متى وفي أي زمان شيدت؟ وأيضا تشدني المدرجات الزراعية و المعالم والآثار، صور ومشاهد لا يمكن للإنسان إلا أن يقف إجلالا لابن هذه الأرض التي أطلق عليها قديما اسم (السعيدة) .
في الطريق وأنت ذاهب إلى صنعاء قادما اليها من مدينة عدن الساحلية أو العكس، ومابين المحافظات الأخرى تقابلك مدن كثيرة، وتشدك دائما بنيانها أو معالمها خاصة تلك المدن التي تحتضن في داخلها مشاهد تاريخية، كمدينة «عمران» وهي مدينة مسورة ولها بابان وفي وسطها مبان أثرية، أو مدينة «ذمار» وبراكينها الهامدة، ونفقان منحوتان في جبلين عملا لتحويل مياه السهول من وادي إلى آخر، وغيرها من المدن والقرى التاريخية، غير ان مايلفت النظر أكثر هي تلك القرى المنتشرة في السفوح والوديان، وخاصة القرى المعلقة على أطراف الجبال كمدينة «كوكبان».
وهي بمثابة برج طبيعي يرتفع أكثر من 350م عن مدينة «شبام» التاريخية، ومن خلال هذا البرج يستطيع الإنسان أن يشاهد أجمل المناظر الطبيعية من وديان وسهول غيرها من المناظر الجميلة التي لا يستطيع أن يرسمها فنان مهما أبدع وتفنن، وقرى ومدن كهذه والتي لمجرد مشاهدتها يخيل لك ان القرى على وشك السقوط،، وان هزة خفيفة سوف تزيحها من مواقعها.
غير ان الواقع والتاريخ يؤكدان ان هذه القرى مر عليها مئات السنين وهي مازالت قوية راسخة لم يؤثر فيها الزمان ولا تطور العصر، كثيرة هي القرى التي تشد النظر وتجعل الإنسان في تأمل مستمر واستعادة للتاريخ، ومن المدن الجميلة والتي فيها عبق التاريخ مدينة «اب» الخضراء التي مازال الشعراء يتغنوا بجمالها واخضرارها، وعلى بعد كيلومترات تشاهد مدينة «رداع» بقلعتها التاريخية «رداع» وجامعها الأثري «العامرية».
وذمار ليس وحدها متميزة في قلاعها وحصونها وقراها المبنية على أطراف الجبال، وإنما هناك مدن وقرى ذات تاريخ ومجد وحضارة، مثل منطقة «عتمة» التي وصفت بأنها لغز في قلب الجبال والطبيعة، وأنها جنة الله على أرضه، فهي منطقة جميلة بخضرتها وأشجارها ونباتاتها النادرة وطيورها الملونة، تبدو وكأنها جزيرة فوق السحاب، واسم عتمة أطلق عليها لكثرة الأشجار والنباتات الكثيفة المثمرة، التي تحجب عين الشمس وضوء القمر عن أبنائها، ويقال أيضا ان التسمية جاءت بسبب كثرة السحب التي تغطي سماءها وخاصة في الخريف حيث تعيش مناخا متواصلا من الأمطار الذي تمتلئ منه الجبال والوديان.
كثيرة هي المدن والقرى التي تذهل العين، وتشد البصر، أما بتاريخها وحضارتها وآثارها ومعالمها، وإما بمدرجاتها الزراعية وقنوات الري والبرك والمجاري التي شيدت بعبقرية هندسية فريدة، ان الحضارة اليمنية حاضرة حتى اليوم وتشاهد بالعين المجردة، ولا غرابة إذا ما اعتبر البعض اليمن متحفا طبيعيا لاسور له ولا أبواب.
*البيان
|