صادق ناشر -
أغرب ما قرأته قبل عدة أيام أن حكومتنا المبجلة قررت زراعة القمح لمواجهة الأسعار المرتفعة لهذه السلعة الضرورية للإنسان، ولكن ليس في قاع البون أو قاع جهران أو في وادي حضرموت أو دلتا أبين، بل في السودان.
الغرابة ليست في أن تكون السودان وجهة اليمنيين لزراعة القمح، إذ أن من المعروف أن هذا البلد العربي يعتبر سلة الغذاء للعرب، ومصر من الدول التي تزرع القمح في السودان لمواجهة النقص لديها في هذه السلعة الهامة، كما أن السودان كانت على الدوام ملاذاً لليمنيين وقت أزماتهم الإنسانية، بل تكمن الغرابة في أننا أغلقنا دكاكيننا وشطبنا على مزارعنا وقررنا زراعة احتياجاتنا في بلاد بعيدة، مع أنه بالإمكان أن تتحول اليمن إلى مزرعة كبيرة لزراعة كل شيء، بما فيها القمح.
سيفرح السودانيون كثيراً لأن اليمنيين سيذهبون إليهم لزراعة القمح، وسعادتهم ليست في مجيء اليمنيين فحسب، بل لأنهم استطاعوا أن يجعلوا من بلادهم ملاذاً للجائعين أمثال "أبو يمن"، الذي سيجرب زراعة القمح في أرضهم، مع أن العالم القديم لم يعرف اليمن إلا باسم "الأرض السعيدة"، وذلك لشهرتها بكونها كانت في حالة اخضرار طوال العام، وكان خيرها يعم أهلها ومن جاورهم وحتى من بعد عنهم.
لكن هذا الخبر لن يفرح الأحبة في السودان فحسب، بل سيفرح اليمنيين أيضاً، فلأول مرة سيجد مزارعو القات -وما أكثرهم في هذا البلد- مساحة أكبر لزراعة محاصيلهم، وسيجد الكثير ممن يزرعون القمح أنفسهم مضطرين للتخلص من المساحة البسيطة التي يزرعونها للتحول لزراعة القات، فالكل يعتقد أن الدولة أكثر حرصاً منهم على مصالحهم، لهذا اقترحت عليهم زراعة القمح في السودان، على أن يتفرغوا هم لزراعة القات.
ولن يجد مزارعو القات حرجاً في توسيع زراعة القات للدول المجاورة، وكما أخذ السودانيون ميزة زراعة القمح على أراضيهم لأشقائهم القريبين منهم والبعيدين، فإنه سيكون بمقدورنا الترويج لزراعة القات لمن يرغب في ذلك، وسيجد المزارعون اليمنيون فرصة لتبادل الخبرات مع الأشقاء السودانيين، فيزرعون لهم قاتاً مقابل أن يزرع لهم الأشقاء في السودان القمح.
وعوضاً عن زراعة القمح في سهول تهامة وقيعان البون وجهران وأودية حضرموت وتبن ووادي الدور وغيرها، سنعرض فرصاً كبيرة أمام المستثمرين العرب والأجانب للإستثمار في مجال تطوير زراعة القات وتحسين نوعيته، ولا بأس في هذا المجال من الاستعانة بمزارعين متخصصين في زراعة القات الهرري في الحبشة وفي الصومال.
ولن نعدم وسيلة لتوسيع زراعة القات طالما أننا سنتخلص من أعباء زراعة القمح وحتى الخضروات والفواكه في وقت لاحق، فنزرع أشجار القات في الحدائق والأماكن العامة، وسنكون أكثر تحضراً فنزرع هذه النبتة في المساحات الخضراء المخصصة للفنادق ومباني الوزارات، وسننشئ معاهد فنية متخصصة لتعليم الناس على كيفية التعامل مع أشجار القات وتوزيعه وتسويقه في الداخل والخارج، بل وقد نجد القات في يوم من الأيام أهم لدى الدولة من النفط والغاز.
وبعد سنوات قليلة سنجد أنفسنا منطقة عالمية لزراعة القات، وسيأتي إلينا المستثمرون من كافة أنحاء العالم، ولن نكون أقل من الأشقاء السودانيين احتضاناً لحل أزمة عالمية كما يفعلون هم في زراعة القمح، بل سنفرض شروطنا على أشقائنا السودانيين إذا ما قرروا الاستنجاد بنا لزراعة القات على أراضينا، خاصة بعد أن يكتشفوا أن القات بالنسبة للإنسان أهم من القمح. (السياسية)