حسان حيدر - لندن - تشتد يوماً بعد يوم المعركة المفتوحة التي يشنها تنظيم «القاعدة» على الحكومة اليمنية مستخدماً زعزعة الاستقرار الأمني وسيلة ضغط لإخضاعها لمطالبه وفي مقدمها الإفراج عن المعتقلين من عناصره ووقف الملاحقات عن الباقين، في وقت تواجه هذه الحكومة سلسلة أزمات موازية، بعضها داخلي ذو خلفية سياسية واجتماعية واقتصادية، مثل احتجاجات الجنوب، وبعضها ذو طابع أمني خطير يتخطى الحدود مثل قضية «الحوثيين» في الشمال حيث تتكدس الأسلحة والأموال في أيدي فئة تقيم شيئاً فشيئاً «دولتها» الذاتية بمعونة وخبرة خارجيتين، في مقاربة لنموذج «حزب الله» اللبناني.
غير أن اليمن الذي قبل المشاركة في الحرب الاميركية على الإرهاب يبدو متروكاً لحاله أمام أزماته، خصوصاً من جانب الولايات المتحدة التي تأخذ عليه «تساهله» في التعامل مع الإرهابيين والمتطرفين، لكنها تنتقد، في مفارقة واضحة، «إفراط» الجيش اليمني في استخدام القوة ضد اتباع الحوثي.
المسؤولون اليمنيون يؤكدون أنهم جادون في مكافحة الإرهاب، لكنهم يلجأون إلى وسائل عدة وليس إلى القوة وحدها، فيتبعون النهج الذي اثبت فاعليته في مناصحة المتطرفين الموقوفين ومحاورة منظّريهم واستمالتهم بالحسنى، من دون أي تساهل مع المتورطين مباشرة في العمليات الإرهابية، وينظمون في الوقت نفسه حملة لجمع السلاح غير المرخص المنتشر بكثافة في أيدي اليمنيين، على رغم الاحتجاجات العديدة.
وترى حكومة صنعاء أن مواجهة الإرهاب تتم عبر سلسلة خطوات صغيرة وحازمة تفضي نتائجها المجتمعة في النهاية إلى كسب المعركة، من دون أن تخرب التوازنات الداخلية أو تضع الحكومة في مواجهة شاملة مع شعبها، لاسيما أن هؤلاء الإرهابيين والمتطرفين هم أبناء التركيبة القبلية النافذة التي لا يمكن تجاوزها. كما أنها ترفض الإملاءات الاميركية في كيفية التعامل مع مواطنيها، وتعتقد أن للمجتمع اليمني خصوصيات يعصى فهمها على الغربيين وقد يؤدي تجاهلها إلى انفجار اجتماعي واسع، لاسيما أن الانتماء إلى القبيلة لا يزال أقوى بكثير من الانتماء إلى الوطن.
لكن الأخطر من حرب «القاعدة» التي تشهد ضربات قاسية متبادلة، الحرب الأخرى التي يشنها متمردو الشمال وتستنزف قدرات الجيش وموازنته. فهناك فشلت الوساطات المتعددة حتى الآن في وقف القتال وتنفيذ الاتفاقات الموقعة بين الحكومة والحوثيين الذين تتوزع الاتهامات الخجولة بتمويلهم وتسليحهم بين إيران وليبيا، والذين انتقلوا بتمردهم إلى مرحلة جديدة تقوم على «تنقية» المناطق الخاضعة لسيطرتهم وتصفية معارضيهم حتى من وجهاء القبائل الزيدية نفسها التي ينتمون إليها، بانتظار بلوغهم «الحكم الذاتي».
وكان لافتاً كثيراً أن يشدد وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي خلال زيارته صنعاء قبل ثلاثة أسابيع على الأهمية الجيوسياسية لليمن وكأنه كيان منفصل عن بُعده العربي، عندما قال إن «إيران واليمن بلدان مهمّان يقعان على ضفتي بلدان مجلس التعاون الخليجي» واعداً بمشاريع واستثمارات إيرانية كبيرة.
إن كثرة المشكلات واشتدادها لا يعنيان أن حكومة صنعاء مغلوبة على أمرها، فقد اظهر الرئيس علي صالح منذ توليه الحكم قدرة على تجاوز الأزمات وتوازناً في التعامل مع المستجدات السياسية والأمنية، وهو يملك بالتأكيد أوراقا كثيرة في مواجهة الساعين إلى تغيير دور اليمن في محيطه، لكنه يحتاج ربما إلى دعم أكثر فاعلية من أصدقائه، ولاسيما الولايات المتحدة ودول الخليج العربية.-
(الحياة اللندنية)