الاثنين, 19-مايو-2008
الوطن - عرش بلقيس بمأرب وصهاريج عدن محمد زكريا* -
في فجر الحضارة اليمنية القديمة تلألأت ولمعت أعظم وأروع الدول اليمنية القديمة وهي دولة سبأ التي ذاع صيتها في العالم القديم حينذاك . وكان لدولة سبأ إنجازات رائعة في الميدان التنموي أو بعبارة أخرى في المجال الزراعي الذي يعد العمود الفقري للحياة الاقتصادية في اليمن القديم وكذلك في الميدان السياسي حيث أرسى بعض ملوكها أسس دعائم الوحدة في شمال وجنوب ، وغرب وشرق اليمن.

وتذكر مصادر النقوش أنّ دولة سبأ ظهرت في أواسط القرن الثامن ق . م ، وبداية القرن السابع ق . م . والحقيقة لقد أدرك عدد من تبابعة وملوك اليمن بأنه من أجل ترسيخ وتثبيت دعائم الوحدة في التربة اليمنية يجب ويتوجب العناية والاهتمام الكبيرين بمشاريع الري الزراعية أو بعبارة أدق إحداث نهضة زراعية كبرى في اليمن علاوة على تنشيط وإنعاش الحياة التجارية , وهذا إنّ دل على شيء فإنه يدل على رأيهم الثاقب ، ورأيهم الصائب , وفهمهم الواعي والعميق بأنه من أسباب قوة الوحدة في مملكتهم هو ازدهار الزراعة والتجارة ، وكان سد مأرب العظيم الذي أسسه أحد ملوكهم في مطلع الألف الأول قبل الميلاد أعجوبة من أعاجيب تشييد السدود في الحضارات الإنسانية القديمة حينذاك .

المشروع الوحدوي ودولة سبأ

ولقد كان الشغل الشاغل والهم الأكبر عند بعض تبابعة وملوك اليمن هو توحيد أجزاء اليمن تحت سيطرتهم ونفوذهم ومن أجل تحقيق هذا المشروع الوحدوي الرائع خاضوا معارك ضارية ضد خصومهم . والحقيقة عندما انطوت توحدت مناطق اليمن تحت حكمهم ارتقى اليمنيين القدامى بصورة عامة والسبأيين بصورة خاصة سلم الرقي والتقدم واتسعت مساحة العمران في كل مكان من اليمن وازدهرت مختلف نواحٍ الحياة الاقتصادية ، الاجتماعية ، والسياسية وصارت دولة ذو شأن كبير بين الأمم الأخرى وأقيمت علاقات وثيقة ووطيدة مع عدد من الحضارات المشهورة والمعروفة مثل حضارة بلاد الرافدين ، ووادي النيل ، وغيرهما من الحضارات التي طفت على سطح العالم القديم حينئذ . وذكرت مصادر النقوش أنّ عواصم اليمن القديمة في عصر السبئيين ، كانت ( مأرب ) ، ( صرواح ) ، و( صنعاء ) في فترات زمنية متفاوتة “ . و لقد ذكر الدكتور حسين مؤنس بأنّ الحضارة اليمنية القديمة ، كانت حضارة بناء ، ونماء ، ولم تكن حضارة غزو ، وحروب ، وكانت قوة ازدهارها تكمن في ترابط وحدة التراب اليمني . وكانت اليمن القديم تتمتع بنشاط تجاري كبير وواسع ، فكانت همزة وصل بين الشرق والغرب ، وكان ذلك يهدد مصالح الإمبراطورية الرومانية العملاقة التجارية التي فرضت سيادتها على العالم القديم حينئذ فعملت على غزو اليمن في القرن 24ق . م للقضاء على الحركة التجارية بها وتحويل طريق التجارة إلى الطرق البرية والبحرية الخاضعة لنفوذها . وهذا ما أكده الدكتور سيد سالم مصطفى ، قائلاً : “ وقد عاصر دخول الرومان مصر ازدهار دولة الحميريين في اليمن ، وسيطرتها على الطرق التجارية البرية والبحرية في جنوب غرب الجزيرة العربية ، ولذلك قرر أغسطس قيصر روما إرسال آليوس جاليوس ــ ثاني ولاته في مصر ـــ على رأس حملة إلى اليمن “ . وكان الغرض من هذه الحملة “ هو سيطرة الرومان الكاملة على تجارة البحر الأحمر وحرمانهم ( أي الأنباط ) واليمنيين من مصدر ثرائهم “ . ونستخلص من كلام سيد مصطفى سالم ، بأنّ هناك ترابط وثيق وعميق بين مصر واليمن ، فالأولى تتحكم بالطرف الشمالي من البحر الأحمر والثانية تتحكم بالطرف الجنوبي منه ، وعندما تقع أحداث هامة في مصر سرعان ما تسري تلك الأحداث في أعماق اليمن . فعندما استولت روما على مصر وثبتت أقدامها فيها ، وجهت وجهها شطر اليمن لغزوه في سنة 24 ق . م . ـــ كما سبق وأنّ ذكرنا ـــ .

أعظم ملوك سبأ

وذكرت النقوش أنّ المكرب ( كرب إل وتر بن ذمر ) يعد من أعظم ملوك سبأ وإنّ لم يكن أعظمهم على الإطلاق . وكان ( كرب إيل وتر ) ، وأطلقت عليه بعض المصادر باسم الملك عُمران بن عامر السّماء ، وقد جمع بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية . ويصف القصاص والأخباريون المكرب ( كرب إيل وتر ) بأنه كان ملكًا طموحًا ، وشجاعًا ، ذو بأس ، وعندما كان يقاتل أعداءه ، كان يلقي في قلوبهم الخوف والموت معًا . وشهدت اليمن في عهد ( كرب إيل وتر ) أعظم إنجازاته السياسية الباهرة هي توحيد اليمن .

وتحقق مشروعه الوحدوي

والحقيقة لقد بذل ( كرب أيل وتر ) جهود جهيدة من أجل تحقيق مشروع حلمه الكبير وهو إرساء دعائم الوحدة في تربة اليمن ، فخاض معارك شرسة وصعبة ضد جيرانه منهم الدولة القتبانية التي سعت أيضًا إلى توسيع رقعتها فحدث تصادم عنيف فيما بينهما ، استطاعت في الأخير الدولة السبأية هزيمة القتبانيين . وكيفما كان الأمر ، فقد تحقق حلمه الوحدوي على أرض الواقع ، وصارت اليمن بفضل الوحدة دولة قوية مزدهرة لها علاقات تجارية قوية مع الحضارات الأخرى كبلاد الرافدين ، ووادي النيل وغيرهما .



الوحدة والحياة والاستمرار

والحقيقة أنّ المكرب أي الملك ( كرب أيل وتر ) كان إلى جانب اهتمامه البالغ في توحيد اليمن تحت راية الدولة السبأية . كان يرى أنه من أجل أنّ يكتب لتلك الوحدة الحياة والبقاء ، والاستمرار، والتطور لا بد من قيام مشاريع حيوية وهامة تتمثل في قيام نهضة زراعية كبرى وبالفعل قام كرب إيل وتر بالكثير من مشاريع أعمال الري التي نهضت باليمن نهضت زراعية حقيقية ، فازدهرت اليمن ازدهارًا واسعًا . ووصف المؤرخون فترة حكمه بالعصر الذهبي لكونه جمع بين قوة الدولة أي هيبتها من جانب وازدهارها من جانب آخر . وتقول الروايات التاريخية بأنّ كرب إيل وتر مثلما اهتم بالزراعة لكونها العمودي الفقري للحياة الاقتصادية في اليمن ـــ كما سبق وأنّ أشرنا قبل ذلك ـــ اهتم كذلك بالقوة العسكرية اهتمامًا بالغاً ، فعمل على تقوية الجيش ، وزيادة أعداد جنده ، وإدخال المعدات والأسلحة الفتاكة المعروفة والمشهورة حينذاك. فـأسس جيشاً قويًا استطاع القضاء على الكثير من التمرد والثورات التي كانت تطل برأسها في بعض مناطق اليمن بين الحين والآخر في أثناء حكمه . وهذا ما أكدته الدكتورة أسمهان الجرو ، قائلة : “ ويستهل ( كرب إل ) نقشه هذا بذكر ما أوجده لمدينته من منجزات حققها . . . فأشار إلى الأعمال الإنشائية التي أقامها ؛ كأعمال الري المختلفة لغرض توفير الرخاء لبلده ذاكرًا أسماء السدود والحواجز والقنوات ، ثم تحدث عن نشاطه العسكري وانتصاراته ، فوصف غزواته التي شنها على مناطق امتدت من المعافر ( الحجرية اليوم ) غربًا حتى ( عرمة ) و ( ميفعة ) شرقاً ، ومن ( ساحل) أبين جنوبًا أإلى أطراف ( نجران ) شمالاً “ . وتذكر المصادر الكلاسيكية بأنه على الرغم من قوة جيشه أو الآلة العسكرية التي كانت تحت قبضته ، فإنه كان دائمًا يدخل القتال مضطرًا للدفاع عن حياض الدولة السبئية ووحدة اليمن. وصارت اليمن في عهد ( كرب إيل وتر ) من الحضارات الشامخات التي تقف في مصاف الحضارات الإنسانية الرائعة كحضارة وادي النيل ، حضارة الرافدين ، حضارة السند ( الباكستان اليوم ) وحضارة الهند التي أطلت بوجهها المشرق حينذ اك على العالم القديم .

دعائم دولة مركزية موحدة

والحقيقة إنّ الانتصارات الرائعة الذي حققها ( كرب إيل وتر ) على مناوئيه ، كان لها تأثيرها الفعال و الإيجابي والواضح على تكوّين دولة مركزية موحدة ضمت غالبية الأراضي اليمنية حينئذ . فقد جمع قبائل سبأ ، وحدد قوانينها ، وميثاقها “ إنّ هذه السّياسة التي أتخذها المكرب ( كرب إل ) في ضم الأراضي لدولته في القرن السابع ق . م ، بمثابة المحاولة الأولى من نوعها في التاريخ القديم لشبه الجزيرة العربية لإرساء دعائم دولة مركزية موحدة “ . والحقيقة لقد وضع هذا المكرب ( كرب إيل وتر ) قواعد وأسس الوحدة المركزية في اليمن وسار على نهجه وخطواته العديد من تبابعة وملوك سبأ . وبفضل وحدة اليمن في عصر الدولة السبأية اكتسبت اليمن قوة وازدهارًا أجبرت العدو قبل الصديق أنّ يتحالف معها ويقيم معها اتصالات واسعة مثل بلاد الرافدين ، ومصر القديمة ـــ كما قلنا سابقاً ـــ . وهذا ما أكدته النقوش اليمنية القديمة . والحقيقة كان هناك ارتباط وثيق وشائج بين قوة وهيبة الدول اليمنية القديمة بصورة عامة والوحدة اليمنية أو بعبارة أخرى أو انطواء المناطق اليمنية تحت نفوذها السياسي . وعندما هبت عواصف التمرد والثورات والانقسامات في المناطق اليمنية ترنحت الدول اليمنية القديمة ، وسقطت الواحدة تلو الأخرى حتى وقعت اليمن فريسة بيد الغزاة الأحباش .

المكرب ( يدع إل ذرح )

ومن تبابعة وملوك سبأ الذين كانت لهم بصمات واضحة في محاولة تأسيس دولة مركزية موحدة فيها هو المكرب ( يدع إل ذرح ) الذي تولى سدة حكم دولة سبأ قبل مجيء ( كرب إيل وتر ) الذي تحدثنا عنه قبل قليل بشيء من التفصيل . ولقد روى عنه القصاص ، والأخباريون بأنه كان ملكًا جريئا ، وشجاعًا جمع بين يديه السلطة الروحية والزمنية معًا مثلما فعل ( كرب إيل وتر ) بعده . وكانت تلك الطريقة أو الأسلوب في الحكم مشهورة ومعروفة بين ملوك اليمن القدامى . والحقيقة أنّ هذا الملك ، كان من أعظم الملوك الذين سعوا إلى توحيد اليمن تحت نفوذ الدولة السبأية ، وتذكر الدكتورة أسمهان الجرو بأنه تمكن من جمع شمل القبائل اليمنية تحت حكمه ، وفي عهده حقق انتصارات كبيرة ضد المناوئين لمشروعه الوحدوي ، وكان من نتائجها توسيع رقعة الدولة السبأية التي امتد نفوذها السياسي على الكثير من مناطق اليمن جبالها , ربوعها ، سهولها ، وسواحلها . ويعد المكرب ( يدع إل ذرح ) أول من سعى إلى إقامة دولة مركزية موحدة في اليمن , ولكن مع الأسف الشديد لم تسعفنا مصادر النقوش بمعطيات مستفيضة عن دوره الكبير في حكم الدولة السبأية ، والقوانين الذي أصدرها بشئون تنظيم مشاريع الري ، واهتمامه بالزراعة ، ودوره الرائد في إرساء أسس الوحدة في تربة اليمن .

النهضة الزراعية

ومن الأسماء المشهورة من ملوك سبأ بصورة خاصة واليمن بصورة عامة الذين كان لهم دور هام في نهضة اليمن الزراعية هو المكرب ( سمة علي ينف ) والذي مازالت آثاره حتى يوم الناس هذا ماثلة وظاهرة للعيان على الرغم من تعاقب القرون الطويلة ، وتقلبات الزمان هو سد مأرب التي تطفو أعمدته بشموخ وكبرياء على رمال مأرب للتحدث عن عظمة اليمنيين القدامى في بناء السدود . وتذكر أسمهان الجرو بأنّ هذا المكرب أو الملك “ يعدّ أول مكرب ساهم في تأسيس السدّ “ . وهذه العبارة التي أوردتها تعطينا انطباعًا بأنه أول من أسس المرحلة الأولى لسد مأرب ، وجاء بعده ملوك آخرين أضافوا في بنائه وتطويره وتحسينه. وكان الغرض من بناء سد مأرب هو أنّ السبأيين رأوا أنّ مياه الأمطار الغزيرة تلتهمها الصحراء ، ففكروا وقرروا أنّ يبنوا سدًا منيعًا لعدة أغراض هو : “ التقليل من اندفاع السيول إلى الوادي ، تلك السيول التي كان جريانها أحيانًا يؤدي إلى انجراف التربة ، وتدمير القرى ، خاصة في مواسم الأمطار الغزيرة “ . ثانيًا هو “ رفع منسوب المياه عدة أمتار حتى تصل إلى المدرجات الزراعية المرتفعة على جانبي الوادي “ . وثالثاً وأخيرًا هو “ التحكم في توزيع المياه حسب الحاجة “ وتذكر النقوش أنّ تاريخ بناء السد ، كان في مطلع الألف الأول قبل الميلاد . ويضيف الدكتور أحمد فخري عن سد مأرب ، فيقول : “ ذكر مأرب . وهي مسكن سبأ الذي قال الله فيه “ (( لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور “ وهي كثيرة العجائب . والجنتان عن يمين السد ويساره )). وكان من نتائج ذلك أنّ توسعت مساحات الأرض الزراعية الخصبة في اليمن والذي أتى ثمره في ازدهارها ازدهارًا عريضًا في مختلف نواحِ الحياة . والحقيقة أنّ النقوش لم تذكر إنجازات هذا المكرب أو الملك في الميدان السياسي أو بعبارة أدق مشاريعه الوحدوية في اليمن القديم ولكنه من المحتمل أنّ يكون للمكرب ( سمة عليّ ينف ) مساهماته في توحيد المناطق اليمنية تحت نفوذه السياسي والعسكري ، فالذي يبني سد مأرب العظيم لا بد أنّ تكون طموحاته السياسية عظيمة وهي توحيد البلاد تحت حكمه.

قوتها مرهونة بوحدتها

وبعد رحيل المكرب ( سمة عليّ ينف ) عن مسرح اليمن السياسي بوفاته ، تولى ابنه المكرب ( يثع ) حكم دولة سبأ . وتميز عهده في العناية بالزراعة وتوسيع رقعتها . وشهدت اليمن على يديه الكثير والكثير جدًا من المشاريع العمرانية والهندسية كبناء السدود ، والعناية على تحصين دولته من غارات الأعداء فعمل على بناء الحصون ، والقلاع في المواقع والمدن الهامة من اليمن . ويبد أنّ ( يثع أمر ) ، كان مولعًا بالمنشآت العمرانية ودليل ذلك أنّ اسمه قد ورد في النقوش مقروناً في عدد من المنشآت العمرانية . وفي عهده شهدت البلاد نشاطاً واسعًا وعريضًا “ على المستوى الخارجي ، فقد تمّ الاتصال بين السبأيين وشعوب الشرق القديم ، ومما يؤكد ذلك نقش آشور ( سرجون الثاني ـــ 715 ق . م ) عندما ذكر اسم ( أتي أمر ) الذي قدّم لسرجون هدية من الذهب ، والأحجار الكريمة ،والأعشاب ، والجمال . ويرى كثير من المؤرخين أنّ المقصود هو المكرب السبئي ( يثع أمر بيّن ) . ومن قبله شهدت أيضا العلاقات السبأية وبلاد الرافدين تطورًا ملموسًا وكبيرًا في عهد المكرب ( كرب إل وتر ) . وكيفما كان الأمر ، فقد كان ( يثع ) من ملوك سبأ الذي وضع نصب عينيه ضرورة وأهمية توحيد البلاد تحت سيادة سبأ وأنّ قوتها مرهون بقوة وحدة أراضيها . والحقيقة أنّ العديد من مكاربة وملوك اليمن في دولة سبأ ، كانوا جميعًا متفقين على ضرورة تأسيس دعائم الوحدة في اليمن لكونها هي جوهر تقدمها وازدهارها وقوتها على مختلف الأصعدة .

وتفرقت أيدي سبأ

لقد أسرف القصاص والأخباريون في أسباب انهيار سد مأرب الذي أسس في مطلع الألف الأول قبل الميلاد والذي أسسه المكرب ( سمة علّي ينف ) . فقد ذكر الدكتور أحمد فخري نقلاً عن القصاص والأخباريون في سبب أو أسباب انهيار السد ، قائلاً : “ وسيل العرم الذي يشير إليه القرآن الكريم ، والذي كتب عنه المفسرون كثيرًا ، وكان سببًا في خراب المنطقة حدث في وقت ما بين أعوام 543 ، 570 ميلادية أي قبل مولد النبي عليه الصلاة والسلام . ولكن بالرغم من أنّ حادث هذا السيل ، كان قريبا من أيام ظهور الإسلام فإن ما كتبه الشراح والمفسرون مليء بالقصص الخيالية سواءً أكانت عن سبب تخريب السد وتهدمه أو عن ملوك العرب القدماء ونسبهم “ . ويمضي في حديثه ، فيقول : “ ولدينا قصص عدة ولكن أحب القصص إلى نفوس الكتاب العرب هي القصة التي تقول بأنّ الله سبحانه وتعالى عاقب أهل سبأ بأنّ أرسل عليهم فأرًا كبيرًا له أنياب ومخالب من حديد أخذ يأكل الأحجار حتى أحدث فيها فجوة نفذت منها المياه فتهدم السد وجرفت مياهه كل ما كان أمامه من مبان وزراعات “ . وتذكر الدكتور اسمها الجرو أنّ من نتائج تهدم سد مأرب على اليمن واليمنيين أنّ “ تفرق شمل قبائل سبأ ، فهاجروا إلى أنحاء متفرقة من شبه الجزيرة العربية . فقالوا : “ تفرقوا أيدي سبأ “ .

الأسباب الحقيقية

وتوضح اسمهان الجرو الأسباب الحقيقة وراء تهدم السد ، فتقول : “ تعرض سدّ مأرب للانهيار أكثر من مرة للسيول الجارفة ، وتراكم الإرساب خلف السّدّ ، مما سبب ضغطاً شديدًا عليه فلم يتحمل مقاومة تلك العوامل الطبيعية ، أضيف إليها عوامل بشرية تمثلت في إهمال الدولة لمنشآت الري بشكل عام ، أمّا نتيجة لضعف دب في أوساطها أو لانشغالها بالمشاكل السياسية الداخلية “ . وتذكر المصادر بأنّ عصر أواخر الدولة الحميرية والتي تأسست في أواخر القرن الثاني ق . م شهد اليمن في ظل حكمها الكثير من الفوضى ، والتمرد ، والثورات ، والاضطرابات التي سادت الكثير من مناطقه مما كان له عواقب وخيمة وكارثة حقيقية على انهيار دعائم الوحدة في المناطق اليمنية ، وبدلاً أنّ تلتفت الدولة الحميرية المركزية إلى العناية والاهتمام بسد مأرب صبت كل اهتمامها إلى مشاكلها الداخلية والذي أخذ كل وقتها مما أدى في نهاية الأمر إلى إهمال السد ومن ثم انهياره . ومن العوامل الأخرى التي ساقتها اسمهان الجرو في تهدم السد هو “ انتقال الثقل السياسي من أطراف الأودية الشرقية إلى المرتفعات الغربية ، بسبب تحول الطريق التجاري من البر إلى البحر ، كل تلك العوامل كانت بمثابة النذير الخطير لانهيار سد مأرب ، وفي كل مرة كان ملوك سبأ يقومون بإعادة ترميمه وتلافي ما يصيبه من صدوع “ .

الانهيار الأخير

وتذكر الدكتور اسمهان الجرو بأنّ سد مأرب ، كان “ يؤدي أغراضه حتى نهاية عهد أبرهة عام ( 571م ) أي بعد إنشائه بأكثر من أحد عشر قرناً ، ثم انهار نهائيًا عام 575م , وقد جاء ذكر ذلك الانهيار النهائي للسد في القرآن الكريم ( سورة سبأ آية 15 ) : (( فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين : ذواتي أكل ِ خمط ، وأثل وشيء من سدر قليل )) “.ويفسر الدكتور أحمد فخري ما جاء ذكره في هذه الآية الكريمة التي ذكرت في سورة سبأ ـــ كما قلنا سابقاً ـــ ، فيقول : “ قيل الخمط الأراك والأثل الطرفاء، والسدر المعروف العرج وهو العلب وجمعه علوب والواحدة علبة “ . وكيفما كان الأمر ، فقد كانت الفتن والقلاقل والاضطرابات السياسية التي سادت اليمن من شرقها إلى غربها في أواخر عصر الدولة الحميرية من الأسباب الحقيقية وراء انهيار سد مأرب الذي كان يؤدي وظيفته لمدة أكثر من احد عشر قرناً .

شروق دولة حضرموت

تباينت الآراء حول بزوغ نجم دولة حضرموت في سماء تاريخ اليمن القديم . وإنّ هناك شبه إجماع من المؤرخين بأنها كانت حاضرة بقوة على مسرح اليمن في النصف الثاني من الألف الأول ق . م . وكانت عاصمة حضرموت شبوة ، وتذكر النقوش بأنّ حضرموت شهدت تطورًا كبيرًا وازدهارًا عريضًا مع بداية ميلاد “ يسوع “ عليه السلام . ولقد استفادت حضرموت من الحروب المستمرة التي اندلعت بين الدولة السبأية العريقة والدولة الجديدة ( حمير ) حيث كان يسود الهدوء والاستقرار دولتها ، فنشطت حركة التجارة فيها . فاحتكرت عملية “ الترانزيت “ ، وقيام بوظيفتها ؛ مستفيدة من موانئها الساحلية “ . وذكرت أيضًا النقوش بأنّ دولة حضرموت امتد نفوذها السياسي والاقتصادي إلى إقليم “ ظفار “ ( عُمان ) ـــ أغنى الأقاليم المنتجة للبان والمُر ـــ وسيطرت كذلك على جزيرة سقطرى الواقعة على مشارف الساحل الأفريقي والتي يرتادها التجار من كل حدب وصوب دائمًا “ . وتوسعت رقعة نفوذها السياسي “ إلى وادي ( بيحان ) في أعماق دولة ( قتبان ) ، وذلك بعد أنّ دبّ الضعف في هذه الأخيرة ، وأخذت تتجاذبها مطامع الأقوياء من الدول اليمنية الأخرى كدولة سبأ ودولة حمير . وتذكر مصادر النقوش بأنّ دولة حضرموت وجدت نفسها بأنها من أجل أنّ تكون دولة قوية ومهيبة على الساحة اليمنية عليها أنّ يتمدد نفوذها السياسي والاقتصادي كذلك إلى الكثير من المناطق اليمنية . ولقد أشرنا من قبل بأنّ حضرموت ، كان لها حضور قوي في ظفار ( عُمان ) وتمكنت أنّ تسيطر على إقاليمها المنتجة للبان و المُر اللذين كانا تجارة رائجة ورابحة حينئذ في حضارات العالم القديم كوادي النيل . ويبدو أنّ مكاربها ( ملوكها الذي جمعوا بين السلطة الدينية والزمنية ) وجدوا أنه أفضل وسيلة لمد نفوذ دولتهم على المناطق والأقاليم اليمنية هو عبر التجارة أي السيطرة الاقتصادية والتي تعد رديفاً للسيطرة السياسية . وبالفعل استطاعت دولة حضرموت أنّ تبسط رداء نفوذها على الكثير من أقاليم اليمن من خلال النشاط التجاري أو الضغط الاقتصادي ــ إنّ صح ذلك التعبير ـــ . ويذكر بعض المؤرخين بأنّ السياسة التي اتبعتها الدولة الحضرمية في فرض سيطرتها على الكثير من أجزاء اليمن عبر النشاط التجاري أتى ثمره ، وصارت من أقوى المماليك اليمنية كدولة سبأ ، وقتبان ، ولكنها عندما تخلت عن سياستها السابقة المتمثلة بالسيطرة على الأقاليم اليمنية من خلال النفوذ التجاري والاقتصادي ونهجت سياسة القوة العسكرية لفرض سياستها على الآخرين بالقوة فشلت فشلاً ذريعًا “ مما سبب لها متاعب لا حصر لها ولا عدّ ! “ وعندما دخل ( القرن الثاني الميلادي ) “ دخلت مع سبأ في حروب ضروس “ فأدى ذلك إلى هزيمتها هزيمة فادحة وخرجت عن مسرح اليمن السياسي . وكيفما كان الأمر ، فإن مكاربة حضرموت مثلهم مثل مكارب الممالك اليمنية القديمة الأخرى ، كانوا دائمًا يتطلعون ويسعون إلى توحيد الكثير من أجزاء الأقاليم اليمنية إدراكًا منهم بأنّ بقاءهم ، وقوتهم ، ونهضتهم مرهون بترسيخ دعائم دولة مركزية موحدة .

دولة قتبان

تناقضت أراء المؤرخين حول نشوء دولة قتبان البعض منهم يقول إنها ظهرت على مسرح اليمن السياسي في منتصف القرن التاسع ق . م , والبعض الآخر يذهب إلى أنها بزغت في القرن السابع ق . م . وآخرين يؤكدون أنها تأسست في القرن العاشر ق . م أو الثاني عشر ق . م . وكانت عاصمتها تمنع وتقع في وادي بيحان ، وقد بنيت العاصمة فوق هضبة مرتفعة . وعندما أرادت دولة قتبان التمدد والتوسع أصطدمت بالدولة السبئية القوية التي كانت تزامنها وخصوصًا في عهد حاكمها القوي ( مكرب إيل وتر ) الذي أنزل خسائر فادحة بها . ولكن سرعان ما قامت قتبان من عثرتها “ وفي نهاية المطاف تمكنت قتبان من حسم الصراع لصالحها ، ومدت نفوذها إلى مساحات شاسعة من الأراضي السبأية “ . وعندما استقر الأمر للقتبانيين شهدت دولتهم ازدهارًا رائعًا في عهد حكم ملكهم ( شهر يجل يهر حب ) ويعد من أعظم ملوكهم وإنّ لم يكن أعظمهم على الإطلاق . ولقد أصدرت دولة قتبان العديد من القوانين لغرض تنشيط الحياة التجارية ، والعمل على حماية المنتجات المحلية أو بعبارة أخرى الصناعات المحلية ويعد هذا القانون الذي صدر في التاريخ البعيد على مدى ما وصلت إليه المماليك اليمنية القديمة من رقي وتطور عقلي بصورة عامة وقتبان بصورة خاصة . ولقد كان لقتبان بصمات واضحة ومضيئة في مؤسسات الرّي ، فقد حفروا الآبار ، وقاموا ببناء الصهاريج وغيرها من مشاريع الري التي تساعد على نهضة الزراعة اليمن .

ما أسباب سقوطها ؟

والحقيقة أنّ الدولة القتبانية ، ظلت دولة قوية في مختلف نواحِ الحياة السياسية ، الاجتماعية ، والاقتصادية عندما كانت أراضيها تنعم بالهدوء والاستقرار ، ولكن عندما اندلعت نيران الاضطرابات ، والقلاقل ، والفتن في العديد من مناطقها بدأت تترنح وتنزلق سفينتها وتغوص شيئا فشيئاً في أعماق البحار السياسية الهائجة ، “ ومع نهاية القرن الأول ق . م راح الحميريون يضمّون كثيرًا من الأراضي القتبانية إليهم ، فتمكنوا من السيطرة كاملاً على الشريط الساحليّ الجنوبي ، فنتج عن ذلك أنّ فقدت ( قتبان ) سيطرتها على التجارة البحريّة تمامًا “ . وتذكر مصادر النقوش ، والمخربشات النقشية أنّ الضربة الموجعة والقاصمة التي أسقطت دولة قتبان ، وأخرجتها عن مسرح اليمن السياسي القديم حدث في نهاية القرن الثاني الميلادي “ حينما وجه إليها السبأيون والحميريون ـــ في آنِ معًا ــ ( ملوك سبأ وذي ريدان ) ضرباتهم القاتلة والساحقة “ .

سياسة الممالك اليمنية

والحقيقة أنّ الدول أو الممالك اليمنية القديمة كالدولة السبأية ، القتبانية ، الأوسانية ، والحميرية وضعت نصب عينيها عندما اعتلت أحداث مسرح اليمن السياسي القديم على ضرورة توسيع رقعت نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي في مختلف نواحٍ أقاليم اليمن إدراكا منها أنّ تكوينها السياسي لن يكتمل إلا بوحدة أقاليم تراب اليمن ، ومن أجل إرساء دعائم الوحدة بذلت الممالك اليمنية جهودًا جبارة من أجل تحقيق مشروعها الوحدوي مما اضطرها إلى التصادم العنيف ، والخوض في حروب ضروس مع جيرانها كدولة سبأ مع دولة قتبان ، والأخيرة مع دولة حِمير ، والأخيرة مع دولة أوسان . وكيفما كان الأمر ، استطاعت هذه الممالك القديمة أنّ ترسخ دعائم دولة مركزية موحدة على تراب اليمن . ولسنا نبالغ إذا قلنا إنّ هذه الممالك استطاعت في تاريخ القديم تحقيق مشروع الوحدة على تراب اليمن . وعندما تخلت عن مشروعها الوحدوي العظيم ، تكالبت عليها قوى خارجية وهي الدولة الرومانية في سنة 24ق . م والتي عملت على إطفاء جذوة نشاطها التجاري ، وتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة رومانية ، وبعدها وقعت اليمن فريسة الأحباش ثم الفرس بسبب تقاسم النفوذ بينهما في هذه المنطقة حتى ظهور الإسلام الذي أعاد لليمن بهاءه ، وحيويته ، ونشاطه ، ووجه التاريخي الأصيل ، وفتحت صفحة جديدة مضيئة مشرقة في تاريخ اليمن واليمنيين .

الهوامش :

د . اسمهان سعيد الجرو ؛ موجز التاريخ السياسي القديم لجنوب شبه الجزيرة العربية ( اليمن القديم ) ، مؤسسة حمادة للخدمات والدراسات الجامعية ـــ اربد ـــ الأردن ــــ .

د / سيد مصطفى سالم ؛ البحر الأحمر والجزر اليمنية تاريخ وقضية ، سنة الطبعة 2006م ، ــــ صنعاء ـــ دار الميثاق للنشر والتوزيع .

حمود محمد جعفر السقاف ؛ تبابعة وملوك اليمن ، الطبعة الأولى 1425هـ / 2004م ، مركز عبادي للدراسات والنشر ـــ صنعاء ـــ الجمهورية اليمنية ـــ .

الدكتور أحمد فخري ، مراجعة وتعليق : الدكتور عبد الحليم نور الدين ؛ اليمن ماضيها وحاضرها ، الطبعة الثانية 1409هـ / 1988م ، المكتبة اليمنية للنشر والتوزيع ـــ صنعاء ــ .

ملاحظة : ذكرت الدكتورة اسمهان الجرو بأنّ الآية التي ذكرتها من سورة (( سبأ )) هي آية ( 15 ) ، والأصح هي آية ( 16 ) . ( المحرر ) .
* صحيفة 14 اكتوبر
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر