خاص ( الوطن ) - توصلت دراسة ميدانية حديثة عن الأسلحة في اليمن إلى أن إجمالي ما بحوزة اليمنيين من سلاح خفيف يصل إلى ما يقارب 10 مليون قطعة .
الدراسة الميدانية التي تمحورت حول سوء استخدام الأسلحة الصغيرة ومعوقات التنمية للدكتور عبد السلام الدار أستاذ علم الاجتماع في جامعة تعز ، واستعرضها في حلقة نقاشية نظمها مركز سبأ للدراسات بصنعاء طبقت على عينات مختارة من عشر محافظات يمنية استنتج من خلالها الباحث أن نسبة حيازة السلاح في المنازل عند أفراد العينة بلغت في الريف والحضر 60.8 في المائة .
وبإسقاطه هذه النسبة على التعداد السكاني ثم باحتسابه المحددات المختلفة لانتشار الأسلحة الخفيفة توصل الباحث في دراسته إلى أن إجمالي ما بحوزة اليمنيين من سلاح يقدر بـ 9.98 مليون قطعة فقط وذلك على عكس التقديرات السابقة التي تفاوتت مابين 50 مليون كحد أعلى وسبعة ملاين قطعة كحد أدنى .
وأظهرت الدراسة أن انتشار الأسلحة وسط السكان لا تقتصر على الريف دون الحضر وإنما منتشرة في الوسطين على حد سواء وبواقع 66,6 % في الريف و56,1 في الحضر مع تفاوت واضح من مدينة إلى أخرى حيث كانت النسبة في امانة العاصمة صنعاء 44.5% مقابل 30 % في عدن .
ووفقا لدراسة الدكتور الدار فقد تقاربت إجابات المبحوثين من الريف إلى الحضر حول أسباب حيازة السلاح ، ففي حين أرجع 44.7 % من الحضر حيازة السلاح إلى الدفاع عن النفس ، أعطى أفراد العينة في الريف للسبب ذاته 60.5 % .
وجاءت العادات والتقاليد في مقدمة العوامل التي ساهمت في انتشار الأسلحة ، حيث حصل هذا العامل على 86,1 % من اجابات المبحوثين ، فيما أرجعت إجابات 81.8% من المبحوثين العوامل التي ساهمت في انتشار الأسلحة إلى ضعف القضاء ، و 82 % لعدم وجود حلول لإنهاء ظاهرة الثأر ، ونسبة 78.9 % لهيمنة القبيلة ،71 % ارجعوا انتشار السلاح للتباهي .
وبحسب الدراسة فقد أعرب 90,5 % عن اعتقادهم بأن الحملات الرسمية وغير الرسمية من شأنها أن تحد من انتشار السلاح .
وفي الورقة الثانية المقدمة من قبل الباحث عايش عواس التي ركزت على تقييم السياسة الحكومية الرامية إلى الحد من انتشار حمل وحيازة السلاح وجد عواس أنه مع تزايد تهريب الأسلحة ووصولها إلى أيدي الجماعات الإرهابية وتعاظم خطرها وما نتج عن ذلك من تهديد للأمن الداخلي ، كثفت الحكومية من إجراءاتها المستهدفة الحد من هذه الآفة مبرزا أن تلك الإجراءات التي طبقتها السلطات اليمنية سارت في ثلاثة اتجاهات الأول جمع الأسلحة والثاني تنظيم حملها وتقليص مظاهرها في المدن الرئيسية والاتجاه الثالث إحكام السيطرة على تجارة السلاح وتداوله .
والإجراءات المندرجة في إطار تلك المعالجات حسب عواس هي تشريعية وقانونية بدأت بصدر قانون تنظيم حمل الأسلحة والذخائر والمتفجرات والاتجار بها " عام 1992م إلا أن القانون على حد رأيه لم يؤت ثماره المرجوة لأن المشكلة ظلت في عملية التطبيق الأمر الذي أدى بالحكومة إلى طرح مشروع قانون أخر عام 1994 غير أن هذا الأخير ظل حبيس الأدراج بسبب خلافات بين أعضاء البرلمان على ما جاء في القانون الجديد الذي لم يقتصر فقط على تنظيم حمل السلاح وإنما حيازته الأمر الذي اعتبره البعض مدخلا سيجيز للسلطات التفتيش على حيازة الأسلحة في المنازل مما قد يترتب عليه تطبيق القانون بطريقة انتقائية لذلك قوبل بمعارضة العديد من الأعضاء مقابل مطالبة آخرين بسرعة إقراره وهو مالم يحصل حتى اللحظة .
وعلى مستوى جمع الأسلحة ابرز الباحث أن الحكومة قامت بإجراءات لجمع الأسلحة لاسيما من بعد حرب 1994 إلا أن الأساليب التي اتبعتها اتسمت بالارتجال والعشوائية إلى حدود 2007 عندما نقل ملف هذه القضية إلى الدوائر العلياء في الدولة مما أدى إلى تبلور سياسة واضحة عملت على منع حمل الأسلحة في عواصم المدن الرئيسية وقلصت من عدد الحراسات والمرافقين للقيادات العلياء في البلاد ، وإلغاء تصاريح حمل السلاح السابقة، وإغلاق محلات بيع الأسلحة ، وحصر وتوثيق موجودات القوات المسلحة والأمن ، واستحداث أجهزة جديدة لتشديد الرقابة على الحدود ، وجمع الأسلحة من أيدي المواطنين عن طريق الشراء.
واعتبر الباحث أن كل تلك التدابير أسفرت عن اختفاء المظاهر الاستفزازية للمسلحين في شوارع المدن الرئيسية وأدت إلى تراجع عدد الحوادث والجرائم مقارنة بما كان الحال قبل الشروع بتطبيق تلك التدابير.
لكن الباحث بالمقابل يرى أن على الرغم من تلك النتائج فإن المشكلة تبقى قائمة متجلية في عدد من المؤشرات كممارسة تجارة الأسلحة بالسر بعد إغلاق أسواقها ومحلاتها وعدم الحد من انتشارها في المناطق الريفية ،عدم سرعة البت بإقرار القانون الجديد لتنظيم حمل وحيازة الأسلحة النارية .
وكان المشاركون في ورشة العمل التي عقدها مركز سبأ للدراسات الإستراتيجية تحت عنوان " انتشار الأسلحة الخفيفة - الحلول الممكنة " قد أكدوا على المزيد من الإجراءات التي تنتصر لمنطق الدولة وتعلي من سلطاتها مرجعين تفشي هذه الظاهرة إلى عدم قيام الأجهزة المعنية بأدوارها كما ينبغي .
وطالب المشاركون بالمزيد من التدابير الإجراءات الرامية إلى محاربة ظاهرة انتشار الأسلحة الخفيفة في الأيدي المواطنين لما لها من تأثير كبير على مختلف المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية .
وجاء في الكلمة الافتتاحية للمدير التنفيذي للمركز الدكتور أحمد عبد الكريم سيف المصعبي أن القرارات التي اتخذتها الحكومة اليمنية في السنوات الأخيرة للحد من حمل وحيازة السلاح قوبلت بارتياح كبير من قبل مختلف الفعاليات اليمنية نتيجة للآثار السلبية المترتبة على حمل السلاح ، مستدركاً أن قدرة الحكومة للقضاء على هذه الظاهرة بدت محدودة بسبب جملة من العوامل أبرزها أن القبيلة مازالت ترى في السلاح ضرورة وليس ترفا وتعتبره جزءاً من شخصيتها ، علاوة على عدم بسط الدولة لسيطرتها على مناطق شاسعة من البلاد على الرغم من اكتمال خطط الانتشار الأمني مؤكدا أن حل هذه المعضلة يحتاج إلى منظومة متكاملة ومتزامنة من الإجراءات .
اللواء محمد القاسمي من جهته أشار إلى أن انتشار الأسلحة الخفيفة وسط المجتمع اليمني له انعكاسات وتداعيات خطيرة على الأمن العام ، وعلى السلام الاجتماعي ، والتنمية ، والاستثمار، فضلا عن أنها تشجع الأفراد على مخالفة القوانين النافذة وتتحدي الدولة وتنازعاها سلطاتها وتؤدي إلى الدخول في مساومات معها وابتزازها .
|